أهمية بيانات التضخم والناتج المحلي الإجمالي

كثيرا ما يسمع المتاجرين في السوق مصطلحات اقتصادية مثل التضخم والناتج المحلي الإجمالي بشكل يومي تقريبُا. وقد يظن البعض أن دراسة مثل تلك المصطلحات يشبه العمليات الجراحية في صعوبتها. ولكن في الحقيقة ليس هذا الأمر كما يبدو حيث أن لهذه المفاهيم تعريفات سهلة وواضحة، على الرغم من أن أهم الاقتصاديين في العالم قد لا يتفقون مثلا على معدل نمو الاقتصاد الأمريكي الذي يجب أن يكون عليه، أو حتى يكون التضخم على مستوى مرتفع للغاية لدرجة يكون من الصعب على الأسواق المالية التعامل معها. ولكن بالنسبة للمستثمرين الأفراد، لا بد أن يكون لديهم قدر معين من المعرفة الذي يساعدهم على اتخاذ قرار التداول بدن الخوض في عدد هائل ممن البيانات الاقتصادية. لذلك خصصنا هذا المقال من أجل معرفة المعلومات العامة عن كلاً من التضخم والناتج المحلي الإجمالي وتأثيرها على التداولات في السوق وكيفية الاستفادة منها في إدارة المحافظ.
1- التضخم
هو مصطلح يعبر عن إما ارتفاع العرض النقدي أو ارتفاع مستويات الأسعار في السوق. وبشكل عام فإنه غالبا ما يتم ذكر كلمة التضخم للتعبير عن ارتفاع مستويات الأسعار مقارنة بالسابق. وكذلك إذا ارتفع العرض النقدي، فإن هذا يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم ولكن ليس بالضرورة أن يكون التأثير سريعا ولكن قد يحدث ذلك بمرور الوقت. وغالبا ما يتم قياس معدلات التضخم في الاقتصاد عن طريق استخدام بعض المؤشرات المعترف بها، ومن أهم تلك المؤشرات مؤشر أسعار المستهلكين، والذي يحاول قياس حركة الأسعار في سلة من السلع والخدمات المباعة للمستهلكين في الولايات المتحدة الأمريكية. وأيضا هناك مؤشر أسعار المستهلكين باستثناء الغذاء والطاقة وذلك لمعرفة معدلات التضخم بدون حساب أسعار الغذاء والطاقة التي تتميز بالتقلبات الحادة في أسعارها، وذلك لمعرفة التغير الحقيقي في معدلات الأسعار بدون التقلبات الحادة.
2- الناتج المحلي الإجمالي
في الولايات المتحدة الأمريكية يتم حساب الناتج المحلي الإجمالي عن طريق جمع القيمة الإجمالية لما ينتجه الاقتصاد الأمريكي. ويجب دائما معرفة أن ذلك التقرير يتم عرضه على المتعاملين بعد تعديل بياناته وفقا لمعدلات التضخم. بمعنى أخر، في حالة تسجيل ارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6% عن العام السابق، في الوقت الذي سجلت فيه معدلات التضخم 2% خلال نفس الفترة، فإن التقرير الذي يتم عرضه على المتعاملين عن الناتج المحلي الإجمالي يكون مطروح منه معدلات التضخم بالفعل فيشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سجل ارتفاعا 4% فقط.
العلاقة بين التضخم والناتج المحلي الإجمالي:
الحقيقة تعتبر العلاقة بين التضخم والناتج المحلي الإجمالي علاقة وثيقة وقوية بشكل كبير، خاصة مع اهتمام المتعاملين في الأسواق المختلفة بتلك التقارير. ففي سوق الأسهم، يعتبر الناتج المحلي الإجمالي تقريرا هاما للغاية. وإذا سجل الناتج المحلي الإجمالي انخفاضًا أو بقي مستقرًا بدون تغيير، فإن ذلك يعني انكماش حجم الاقتصاد بشكل عام الأمر الذي بدوره يعني عدم قدرة الشركات في الدولة بزيادة معدلات الربحية لديها ليكون هناك تأثيرا سلبيا على أداء الأسهم في السوق. وعلى الرغم من ذلك إلا أن الارتفاع الكبير في الناتج المحلي الإجمالي قد يكون أيضا له تأثيرا سلبيا على الأداء الاقتصادي، حيث أن الوجه الأخر لذلك الارتفاع الكبير فيه يعني ارتفاع معدلات التضخم بصورة كبيرة على المدى الطويل، الأمر الذي يكون له تأثيرا سلبيا على أداء الأسهم على المدى الطويل أيضا لأن ارتفاع التضخم يجعل من الأموال أقل قيمة. وفي ذلك الإطار، اتفق الكثير من الاقتصاديين أن تحقيق معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي ما بين 2.5% و 3.5% سنويا هي معدلات جيدة وآمنة للاقتصاد، ولكن السؤال الأهم هو كيف يتم تحقيق تلك المعدلات؟ غالبا ما تكمن الإجابة في خفض معدلات البطالة.
ومن ناحية العلاقة بين معدلات البطالة والناتج المحلي الإجمالي، أظهرت الدراسات التي أُجريت أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي فوق معدل 2.5% يتسبب في انخفاض معدلات البطالة بنسبة 0.5% مع كل نقطة فوق 2.5%. وقد يظن القارئ أن القضية تبدو بسيطة ومن الممكن ضرب عصفورين بحجر واحد فترتفع معدلات النمو وتنخفض معدلات البطالة. ولكن الواقع غير ذلك تماما، فالعلاقة الطردية بين البطالة والناتج المحلي الإجمالي تتلاشى في الغالب مع انخفاض معدلات التوظيف بدرجة حادة. فقد كشفت الدراسات الاقتصادية مؤخرا إلى أن انخفاض معدلات البطالة بشكل كبير يبدو مكلفا بصورة أكبر من وجود نسبة من البطالة في الاقتصاد؛ وذلك لأن الاقتصاد الذي تكون فيه معدلات التوظيف بكامل قوتها سوف تتسبب في أمرين:
1- إجمالي الطلب على السلع والخدمات سوف يرتفع بصورة كبيرة مقابل العرض، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع مستويات الأسعار بصورة كبيرة.
2- سوف تضطر الشركات إلى رفع الأجور وذلك نظرا لعدم وجود عمالة كافية في السوق، فالطلب أعلى من العرض وبالتالي ترتفع الأجور بشكل كبير، مما يحمل عبئا كبيرا على الشركات مما يؤدي إلى انخفاض أرابحها في المستقبل.
وبمرور الوقت، يرتفع التضخم بسبب ارتفاع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، ومن الممكن في بعض الأحيان أن تصل الأمور إلى مرحلة التضخم الجامح. وفي حالة دخول الاقتصاد في تلك المرحلة فإن أسعار السلع والخدمات ترتفع بصورة سريعة للغاية، ومن الممكن تفسير ذلك كالأتي:
عند ارتفاع معدلات النمو بصورة كبيرة فإن دخل المستهلكين في الدولة سوف يرتفع، مما يسمح لهم برفع معدلات الإنفاق الخاصة بهم الأمر الذي سوف يؤدي إلى ارتفاع الطلب عن العرض فترتفع الأسعار. ثم تدور الدورة فيقوم التضخم في حد ذاته برفع سرعة معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي على المدى القصير مما يؤدي إلى دفع مستويات الأسعار بدورها وهكذا تستمر الدورة بصورة سريعة مسببة ارتفاعا سريعا وكبيرا في الأسعار.
والجدير بالذكر، لا يسير تأثير التضخم على الاقتصاد بصورة مستقيمة، بمعنى أن تأثير 10% تضخم على الاقتصاد لا يعني ضعف تأثير 5% ولكن يعني أكثر بكثير من مجرد ضعف التأثير. ويجب القول أن مثل تلك الدروس تم التعرف عليها من خلال المواقف التي مرت بها اقتصاديات العالم في أوقات مختلفة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال ومنذ حوالي 30 عاما، كان الاقتصاد قد سجل ارتفاعا كبيرا في معدلات التضخم، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل كبير وتأثرت معدلات الإنتاج مما أدى إلى انخفاض معدلات النمو بعد ذلك.
معيار الحكم على معدلات التضخم
بالتأكيد فإن السؤال الملح الآن هو متى نقول على معدلات التضخم أنها عالية؟ في الحقيقة فإنه لا توجد إجابة واضحة وصريحة على ذلك التساؤل، خاصة وأنه ليس كل اقتصاديات العالم متشابهة مع بعضها في التكوين والأداء. ويصر البعض على أنه كلما استقرت مستويات الأسعار كلما كان أفضل، وأنه يجب على الاقتصاديات الكبرى في العالم العمل على تثبيت معدلات التضخم بالقرب من مستويات 0%. بينما تشير الآراء العامة إلى أن التضخم عند مستويات منخفضة يعتبر شيء جيد.
والسبب الأهم وراء تلك الآراء هو أنه في الاقتصاد الصحي والجيد، تضطر الشركات خفض الأجور الحقيقية للعاملين بسبب أوضاع السوق. والأجور الحقيقية المقصود بها الأجور مطروحا منها معدلات التضخم. فعلى سبيل المثال في حالة ارتفاع الرواتب بمعدلات 2% خلال العام الذي تسجل فيه معدلات التضخم 4% فإن الدخل الحقيقي للعامل هو أقل بنسبة 2% عن العام السابق. وبالطبع، غالبا ما يرفض العمال أخذ أجور أقل وهذا هو السبب الرئيسي وراء ميل الكثير من الخبراء أن المستوى الأفضل لمعدلات التضخم يجب أن يكون ما بين 1 إلى 2% سنويا.
البنك الفيدرالي الأمريكي والسياسة المالية
في الحقيقة، للولايات المتحدة الأمريكية سلاحان للعمل على استقرار معدلات النمو في الاقتصاد مع استقرار معدلات التضخم، وهما السياسة النقدية والسياسة المالية. والسياسة المالية هي تلك المتعلقة بالإجراءات الحكومية المعروفة مثل الضرائب أو السياسات الخاصة بالموازنة الفيدرالية. ومن الممكن أن تكون السياسة المالية السلاح الأكثر فاعلية فقط في الحالات التي تحاول فيها الحكومة دفع معدلات النمو نحو الارتفاع، ولكن يرى الكثير من الخبراء أن السياسة النقدية أكثر أهمية في تحريك الاقتصاد والوصول إلى معدلات نمو مستقرة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تعتبر اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة هي المسئولة عن رسم السياسة النقدية للاقتصاد الأمريكي، وذك عن طريق تغيير العرض النقدي في الاقتصاد، بمعنى آخر فإنه يمكن القول أن البنك الفيدرالي الأمريكي يمكنه التحكم في مدى سهولة أو صعوبة الحصول على المال في الاقتصاد، ويمكنه التحكم في تشجيع الإنفاق أو تخفيضه من أجل الحصول إلى اقتصاد أكثر استقرارا وآمانا على المدى الطويل.
وفي ذلك السياق يجب تذكر رئيس البنك الفيدرالي السابق "الآن جرينسبان" والذي كان يعتبره البعض الرجل الأقوى على ظهر كوكب الأرض، ولكن هل تعلم من أين جاء البعض الانطباع عنه بهذا الشكل؟ هذا لأن وظيفته كرئيس للبنك الفيدرالي الأمريكي جعلت الناس تنظر إليه على أنه الشخص الأكثر قوة وجاذبية وتحكم في مجريات الأمور وذلك عن طريق تحكمه في أسعار الفوائد، وذلك لأن أسعار الفوائد هي السلاح الأقوى للتحكم في قدر الأموال في الاقتصاد وتغييرها يؤثر بصورة مباشرة في الأداء الاقتصادي الأمريكي، ولهذا كان ذلك هو لقب السيد "الآن جرينسبان".
وتتم عملية تغيير أسعار الفوائد في الاقتصاد الأمريكي عن طريق عمل اجتماعات مع أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة عدد من المرات خلال العام، من أجل متابعة الأداء الاقتصادي لأكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية. ونظرًا لكبر حجم الاقتصاد الأمريكي وتأثيره الكبير على اقتصاديات العالم الأخرى، من الممكن القول أنه بشكل غير مباشر يمكن التحكم من خلال الولايات المتحدة الأمريكية في حجم الضرائب الخاصة بدولة ما على الضفة المقابلة من المحيط الهادئ.
ويهتم البنك الفيدرالي الأمريكي بثلاثة عوامل أساسية في الاقتصاد، هي معدلات البطالة والتضخم والناتج المحلي الإجمالي، وبشكل عام فإن البيانات التي يعتمد عليها البنك لدراسة تلك العوامل هي بيانات تاريخية، لذلك فإن معرفة الاتجاهات الخاصة بتلك العوامل يعتبر شيئا أساسيا لمحاولة توقع مسار قرارات البنك في المستقبل.
أهمية التفاصيل
هناك جدلا واسعا بين الاقتصاديين حول طريقة حساب الناتج المحلي الإجمالي والتضخم. وفي الحقيقة تعتبر تلك المعلومة في غاية الأهمية لأنها سوف تؤثر على طريقة تفسير النتائج المعلنة. ويشير الكثير من الخبراء والاقتصاديين أن البداية تأتي من أهمية خصم معدلات التضخم من معدلات النمو التي يحققها الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى عمل مراجعات دورية على القراءات من أجل تحسين جودة القراء. وبشكل عام فإن طريقة حساب معدلات التضخم تكون كما تم الذكر سابقا عن طريق قياس معدلات التغير في أسعار المستهلكين.
التأثير على المستثمرين
يهتم المستثمرون المعتمدون على معدلات دخل ثابتة بمعدلات التضخم بشكل كبير، وذلك لأن قيمة دخلهم تتأثر بشكل مباشر بمعدلات التضخم. أما فيما يتعلق بالمتعاملين على الأسهم، فإن معدلات التضخم سواء المتوقعة أو المحققة تكون من البيانات الهامة بالنسبة إليهم. وبشكل عام، يأتي الاهتمام بمعدلات التضخم من خوف المتعاملين على العوائد على رأس المال في المستقبل، حيث يجب أن يكون العائد على رأس المال أعلى من معدلات التضخم بعد خصم العمولات والضرائب. وطالما أن معدلات التضخم في مستويات مستقرة فإنها تعتبر إشارة جيدة بالنسبة للمتعاملين في أسواق الأسهم وأيضا بالنسبة لمن يريدون الاحتفاظ بالنقود دون استثمار معين لفترات طويلة.
والجدير بالذكر فإنه هناك أوقات كثيرة يكون الاهتمام بالتفاصيل الخاصة بقراءات التضخم أو صافي الناتج الإجمالي أمرا جيدا، وعدم الاكتفاء فقط بالقراءة المعلنة وذلك للوصول إلى أدق تفاصيل المعلومة التي بدورها قد تؤثر على القرارات الاستثمارية للوصول إلى المستوى المطلوب من العائد.








