البنك الفيدرالي – السياسة النقدية


نسمع كثيرا عن مصطلح (السياسة النقدية)، ولكن قد لا نفهم تمامًا ما يعنيه وما دور البنك الفيدرالي تحديدًا فيما يتعلق بالسياسة النقدية. في الحقيقة، يعبر هذا المصطلح عن الإجراءات التي يقوم بها البنك الفيدرالي الأمريكي من أجل التحكم في كمية الأموال المتداولة والائتمان في الاقتصاد الأمريكي. ويؤثر تغيير حجم الأموال المتداولة (سواء كانت الأموال الجارية أو في حسابات الائتمان) بصورة كبيرة على أسعار الفوائد (وهي التكلفة التي يتم دفعها على الأموال التي يتم اقتراضها)، الأمر الذي يؤثر على الأداء الاقتصادي ككل في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن كلا من الأفراد وحتى المؤسسات يعتمدون في الكثير من تحركاتهم على الائتمان وبالتالي فإن تغيير أسعار الفوائد يؤثر على قراراتهم بشكل كبير. وبصورة أبسط، يمكن القول أنه في حالة تراجع تكلفة الاقتراض، يزيد عن الأفراد والشركات الذين يقترضون أمولاً وبالتالي يزيد النشاط الاقتصادي.

 

أدوات البنك الفيدرالي الأمريكي

 

يستخدم البنك الفيدرالي الأمريكي ثلاث أدوات أساسية للتحكم في السياسة النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية

 

1-   عمليات السوق المفتوح:

يقوم البنك الفيدرالي الأمريكي بصورة منتظمة بشراء وبيع الأوراق المالية الحكومية من أسواق المال، وذلك بصورة قد تؤثر على مستوى الاحتياطي في النظام المصرفي. وتؤثر هذه العمليات على على حجم وسعر الائتمان (أسعار الفوائد).

ويشير مصطلح السوق المفتوح إلى أن البنك الفيدرالي الأمريكي ليس وحده من يتخذ قرار التعامل مع تلك الأوراق المالية، ولكن يتم اتخاذ القرار من السوق المفتوح يتضمن العديد من كبار في السندات، وتعتبر عمليات السوق المفتوح من أهم العمليات التي تؤثر على السياسة النقدية المتبعة في الاقتصاد.

 

2-   سعر الخصم:

يحدد البنك الفيدرالي ما يسمى بـ "سعر الخصم" وهو عبارة عن سعر الفائدة الذي تدفعه البنوك على القروض قصيرة الأجل التي تقترضها من البنك الفيدرالي الأمريكي. وبصورة عامة فإن سعر الخصم غالبا ما يكون أقل من سعر الفائدة المعروضة للجمهور، على الرغم من ارتباط السعرين. ويعتبر سعر الخصم أكثر أهمية وذلك لأنه يعطي فكرة عامة عن السياسة المستقبلية التي قد يتبعها البنك الفيدرالي الأمريكي في المستقبل.

 

3-   متطلبات الاحتياطي:

يحدد البنك الفيدرالي أيضًا متطلبات الاحتياطي من الأموال، والتي تمثل نسبة معينة من الودائع في البنوك يتم الحفاظ عليها دون منحها كقروض للجمهور. ومن خلال ذلك، تتحدد كمية الأموال الذي يجنيها البنك من خلال القروض والاستثمارات. وغالبا ما تكون هذه النسبة حول 10% من إجمالي حجم الودائع لدى البنك وفقًا للمجلس الفيدرالي. وهذا يعني أنه على الرغم من أن الودائع في أي بنك قد تبلغ 10 مليار دولار لجميع عملائه، إلا أن البنك يُقرض أغلب هذه الأموال وبالتالي لا تكون بحوزته هذا المبلغ بالكامل. وعلاوة على ذلك، من المكلف بدرجة كبيرة الاحتفاظ بمبلغ 10 مليار دولار على شكل أوراق نقدية واذون خزانة داخل البنك. وبالتالي، فإن الفائض من الاحتياطي يتم الاحتفاظ به على شكل احتياطي نقدي أو حسابات في البنك الاحتياطي الفيدرالي في الولاية التي يوجد بها البنك. وبالتالي، تضمن متطلبات الاحتياطي التي يحددها البنك الفيدرالي أن المؤسسة المالية تحافظ على الحد الأدنى من الأموال المالية في حسابها الذي يحتوي على الاحتياطي.

 

سعر فائدة أموال الاحتياطي الفيدرالي

 

إن استخدام عمليات السوق المفتوح يعتبر من أهم الأدوات التي يستخدمها البنك الفيدرالي من أجل تنفيذ السياسة النقدية في الدولة. وفي الحقيقة، يعتبر الهدف الرئيسي من المتاجرة في السندات هو التأثير على سعر فائدة أموال الاحتياطي الفيدرالي، وهو سعر الفائدة الذي تتقاضاه البنوك من بعضها البعض لقاء استخدام أموال الاحتياطي الفيدرالي. وينفذ سعر الفائدة هذا يوميًا ويتم التعامل معه على انه مؤشر يستدل من خلاله على الاتجاه العام لأسعار الفائدة.

 

وتقوم اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح بتحديد المستوى المستهدف لسعر فائدة الأموال الفيدرالية، ولكن لا تحدد أسعار الفوائد الحقيقية نفسها، وذلك لأنها تتحدد عن طريق السوق المفتوح.

 

من ناحية أخرى، على كل البنوك الحفاظ على نسبة معينة كاحتياطي نقدي، ولكن غالبا ما تنخفض نسبة الأموال لدى البنوك عن تلك النسبة وذلك بسبب العمليات اليومية التي تقوم بها البنوك. ومن أجل الالتزام بتلك النسبة المطلوبة تقوم بعض البنوك بأخذ قروض يومية بينها وبين بعضها. وتلك القروض هي التي يتم عليها فرض أسعار الفوائد الفيدرالية. ولذلك، تعتبر هذه الفوائد غاية في الأهمية وذلك لأنها تؤثر على المدى الطويل على أسعار الفوائد الأخرى سواء على الودائع أو القروض الممنوحة للأفراد.

 

ويجب دائما أن نتذكر أن السياسة النقدية تستخدم في الأساس من أجل الوصول لأعلى مستويات نمو اقتصادي بالإضافة إلى الحفاظ على معدلات توظيف جيدة واستقرار في مستويات الأسعار.

 

اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح

 

تكمن وظيفة اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح في رسم السياسة النقدية العامة للدولة وتحديد أسعار الفوائد. تقوم اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح بالاجتماع ثمان مرات سنويًا. وفي خلال تلك المرات التي تقوم فيها اللجنة بالاجتماع، تدرس اللجنة  بعض البيانات من أجل معرفة ما إن كانت السياسة النقدية الحالية تحتاج إلى تغيير أم لا. وقبل كل اجتماع تقوم اللجنة باستلام ما يسمى بالسجل الأخضر وهو يحتوي على توقعات أعضاء البنك الفيدرالي الأمريكي حول الأداء الاقتصادي الأمريكي في الفترة القادمة، بالإضافة إلى السجل الأزرق والذي يحتوي على بيانات حول تحليل أعضاء البنك للسياسة النقدية المتبعة، بالإضافة إلى السجل البيج والذي يحاول مناقشة الأداء الاقتصادي للدولة وفقا للتوزيع الجغرافي للمناطق المختلفة.

 

وعندما تجتمع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، تقرر إما الإبقاء على أسعار الفوائد عند المستويات الحالية أو أن تقوم بتغييرها سواء بالرفع أو الخفض كما تتخذ اللجنة أيضا قرارات تتعلق بسعر الخصم الذي تقوم البنوك بدفعه عند أخذها قروض من البنك الفيدرالي الأمريكي.

 

وعلى الرغم من أن البنك يقوم دائما بأفضل ما في وسعه من أجل التأثير على عمليات السوق المفتوح، إلا أن هناك عوامل أخرى يصعب التحكم فيها والتي تؤثر بصورة مباشرة على الفوائد الحقيقية. ولعل من أفضل الأمثلة حول ذلك الوضع هو ما يحدث خلال العطلات، ففي أعياد الميلاد يرتفع طلب المستهلكين على الأموال السائلة، الأمر الذي يجعل البنوك تضطر لاستخدام الأموال السائلة في الاحتياطي النقدي لديها من أجل سد احتياجات المستهلكين، فتقوم بأخذ قروض قصيرة الأجل  مما يؤدي إلى ارتفاع الطلب على الأموال الاحتياطية، مما يزيد من سعر الفائدة على اموال الاحتياطي الفيدرالي. لذلك ، في حالة الإعلان في وسائل الإعلام عن ارتفاع أسعار الفائدة على الأموال الفيدرالية، فإن ذلك لا يعني ارتفاع أسعار الفوائد في حد ذاتها ولكنه يعني ارتفاع العوائد الفيدرالية على البنوك وليس الأفراد.

 

من ناحية أخرى، في حالة رغبة البنك الفيدرالي بدفع معدلات النمو الاقتصادي للأمام فإنها سوف تقوم بتخفيض معدلات الفوائد لديها، والعكس صحيح. ويحاول البنك الفيدرالي الحفاظ على استقرار معدلات النمو بدون أن يزيد هذا عن الحد الطبيعي. فعندما نتحدث عن النمو الاقتصادي، يجب الإشارة إلى أن ارتفاع أو انخفاض معدلات النمو بشكل حاد وزائد عن الطبيعي يعتبر امر مضر دائمًا للاقتصاد. فإذا تسارعت معدلات النمو الاقتصادي بشكل سريع للغاية، فإن الأمر ينتهي بحالة من التضخم. وإذا تباطأت معدلات النمو الاقتصادي بقوة وبحدة، فإن الأمر ينتهي بدخول الاقتصاد في حالة من الركود.

 

 وفي الكثير من الأحيان يقوم البنك الفيدرالي بتثبيت أسعار الفوائد عند المستويات الحالية دون تغيير ولكنها في نفس الوقت قد تقوم بالتحذير من احتمال تغيير تلك السياسة في المستقل، وفي حالة وجود مخاوف من الأداء الاقتصادي في المستقبل فإن ذلك يرفع من احتمالات قيام البنك بتغيير أسعار الفوائد في المستقبل لمواجهة تلك المخاوف.

 

كيفية تأثير إجراءات البنك الفيدرالي الأمريكي في الاقتصاد؟

 

في حالة قيام البنك الفيدرالي برفع أسعار الفوائد فإنه يقوم ببيع أوراق مالية، والعكس صحيح ففي حالة قيامه بخفض أسعار الفوائد فإنه يقوم بإعادة شراء تلك الأوراق المالية مرة أخرى.

 

فعلى سبيل المثال عندما يقوم البنك الفيدرالي بشراء أوراق مالية، فإنه بذلك يقوم بزيادة حجم العرض النقدي في الاقتصاد. وبالتفكير في تلك النقطة،  نجد أنه في حالة قيام البنك الفيدرالي الأمريكي بشراء الأوراق المالية الحكومية عن طريق منح البائعين شيكات يتم إيداع قيمتها في حساب البائعين، ترتفع قيمة الأرصدة لدى البنوك فترتفع قيمة الاحتياطي النقدي لديها. وكنتيجة لذلك ولارتفاع حجم العرض النقدي فإن البنوك قد لا تحتاج في تلك الحالة إلى أخذ قروض يومية من البنوك الأخرى، حينها لن يتم رفع أسعار الفوائد الفيدرالية على القروض الخاصة بالبنوك، وبالتأكيد فإن عكس تلك العملية يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفوائد الفيدرالية.

 

وكنوع من تلخيص كل ما سبق، فإنه خفض الفوائد الفيدرالية يعني قيام البنك الفيدرالي الأمريكي برفع حجم العرض النقدي في الاقتصادي، مما يعني انخفاض الفوائد على القروض الشخصية أو العقارية أو حتى القروض لشراء سيارة على سبيل المثال، مما يؤدي إلى دفع الاستهلاك فيدفع معدلات النمو الاقتصادي للارتفاع.

 

لماذا يتحدث الجميع عن "الآن جرينسبان" رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي السابق؟

 

في الحقيقة، حظا "الآن جرينسبان" باهتمام الكثير من المتعاملين في الماضي عندما كان رئيسا للبنك الفيدرالي الأمريكي خلال الفترة ما بين 1987 و 2006، مما جعله أكثر الرجال تأثيرا وقوة في الاقتصاد الأمريكي بل والعالمي أيضا، فعندما كان يلقي خطابا فإن أكبر محترفي الاستثمار في الأسواق كانت تتابع كلماته وتقوم بتحليل كل كلمة ينطق بها. وكان قد تم تعيينه في ذلك المنصب خلال فترة رئاسة "جورج بوش" الأب للولايات المتحدة الأمريكية واستمر في منصبه مرورا بالرئيس "بيل كلينتون" و"جورج بوش" الأبن.

 

الخلاصة

 

يعتبر البنك الفيدرالي الأمريكي من أكبر المؤسسات المالية وزنا في العالم من حيث القوة والتأثير من خلال سياساته، حيث يتم متابعة قراراته بصورة تفصيلية من قبل كل المستثمرين في العالم وأي تغيير قد يطرأ على السياسة النقدية الخاصة به تؤثر على أسواق العالم بأكمله.

 

ويمكننا تخليص ما ذكرناه حول البنك الفيدرالي فيما يلي:

 

1-   تم تأسيس مجلس رئاسة البنك الفيدرالي الأمريكي عام 1913 من أجل الوصول إلى اقتصاد أكثر آمانا وجودة واستقرار.

2-   مجلس رؤساء البنك الفيدرالي هو من يقوم بإدارة البنك الفيدرالي الأمريكي.

3-   يوجد 12 فرعا للبنك الفيدرالي الأمريكي موزعة في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.

4-   اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح هي التي تحدد السياسة النقدية التي يقوم البنك بها.

5-   من أكبر الأهداف التي يطمح البنك في الوصول إليها هو الاستقرار في معدلات النمو الاقتصادي والحصول على أكبر قدر من معدلات التوظيف، وأيضا استقرار مستويات الأسعار من أجل الحفاظ على القوة الشرائية للدولار الأمريكي من خلال أسعار الفوائد طويلة الأجل.

6-   يقوم البنك الفيدرالي الأمريكي بدور بنك البنوك أو بنك الحكومة أو مؤسسة مالية تقوم بتشريع وتحدد العرض النقدي في السوق.

7-   السياسة النقدية يتم تحديدها من خلال عمليات السوق المفتوح وسعر الخصم بالإضافة إلى الاحتياطي النقدي لدى البنوك.

8-   تقوم اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح بتحديد أسعار الفوائد الفيدرالية وذلك من خلال عمليات السوق المفتوح.

9-   تجتمع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح ثمان مرات خلال العام من أجل رسم السياسة النقدية العامة للدولة.

10- في حالة رغبة البنك الفيدرالي برفع معدلات النمو الاقتصادي فإنه يقوم بخفض أسعار الفوائد والعكس صحيح.

11- خفض أسعار الفوائد يؤدي إلى ارتفاع العرض النقدي في الاقتصاد والعكس صحيح.

12- "الآن جرينسبان" كان رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي السابق في الفترة ما بين 1987 و حتى 2006، واحتل ذلك الرجل اهتماما كبيرا من الإعلام خلال شغله لمنصبه.

< المقال السابق

المقال النالي >