التضخم
خلال الحرب العالمية الثانية كان من الممكن أن تشتري رغيف من الخبز بتكلفة 0.15 دولار، بل وكان من الممكن شراء سيارة جديدة بأقل من 1.000دولار، وشراء منزل بمتوسط تكلفة 5,000 دولار. ولكن في القرن الحادي والعشرون أصبحت تكلفة جميع تلك الأشياء أعلى بكثير جدا من تلك المستويات، وهذا هو ما يسمى بالتضخم الذي أدى إلى ارتفاع مستويات الأسعار خلال الستين عاما الماضية.
عندما ارتفع التضخم في الفترة ما بين منتصف إلى نهاية السبعينيات بصورة كبيرة، أعلنت حينها الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن التضخم هو العدو الأكبر للعالم. وعلى الرغم من انحسار الذعر العام من التضخم، إلا أن الناس لا يزالوا يخشون منه، حتى مع أنه كان عند أدنى المستويات خلال الأعوام القليلة الماضية. وعلى الرغم من انه من المعروف أن الأسعار ترتفع للأعلى على مدار الوقت، إلا أن الفئة العامة من الشعب لا تفهم ما هي الدوافع وراء التضخم.
فما هو التضخم؟ وما هي أسباب حدوثه؟ وأيضا كيف يؤثر على مستوى معيشة الأفراد في المجتمع؟
في الحقيقة فإنه يمكن تعريف التضخم على أنه الارتفاع المستمر في مستويات أسعار السلع والخدمات في دولة ما. ومن الممكن قياس معدلات التضخم عن طريق قياس المعدلات السنوية لارتفاع مستويات الأسعار الخاصة بالسلع والخدمات، فكلما ارتفعت معدلات التضخم فإن ذلك يعني انخفاض كمية السلع والخدمات التي من الممكن شراءها بنفس كمية النقود التي كنا نشتري بها كميات أكبر في الماضي.
وبهذا المنطق فإنه من الممكن القول أنه هناك علاقة عكسية بين معدلات التضخم وقيمة العملات، بمعنى أنه كلما ارتفعت معدلات التضخم فإن ذلك يعني انخفاض قيمة العملة. أو بمعنى أخر فإنه في حالة ارتفاع معدلات التضخم فإن القدرة الشرائية للعملة تنخفض أيضا. على سبيل المثال في حالة ارتفاع معدلات التضخم بنسبة 2% سنويا، فإن ذلك يعني أن عبوة الحلوى التي سعرها دولار واحدة سوف ترتفع سعرها إلى 1.02 دولار خلال عام واحد. وبذلك فإنه بسبب معدلات التضخم فإن العام القادم لن تستطيع شراء نفس العبوة بدولار واحد فقط.
وبشكل عام، هناك أشكال متعددة يمر بها الاقتصاد والتي تختلف عن التضخم
وهي الحالة التي فيها تنخفض مستويات أسعار السلع والخدمات في الاقتصاد وهو الوضع المعاكس للتضخم. وهو الوضع الذي فيه تسجل معدلات التضخم ارتفاعا بصورة سريعة للغاية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار النظام النقدي للدولة عندما يصل التضخم الجامح إلى ذروته. ومن أشهر أمثلة ذلك الوضع كان عام 1923 عندما ارتفعت مستويات الأسعار بصورة كبيرة في ألمانيا مسجلة ارتفاعا بنسبة 2.500% في شهر واحد فقط. وهو عبارة عن الجمع بين الارتفاع في معدلات البطالة بشكل كبيرة وانكماش الاقتصاد في الوقت الذي تسجل فيه معدلات التضخم ارتفاعا بصورة كبيرة. وقد حدث ذلك خلال فترة السبعينات للدول الصناعية الكبرى، عندما كان الاقتصاد في حالة سيئة وقامت أوبك برفع أسعار النفط.
وفي السنوات الأخيرة، تحاول معظم الدول الحفاظ على معدل التضخم ما بين 2-3% وهي المعدلات الطبيعية التي غالبا ما تتواجد فيها معدلات التضخم في العالم.
أسباب التضخم
لا يزال خبراء الاقتصاد في حيرة من أمرهم حول الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع معدلات التضخم. ففي الحقيقة لم يتم الاتفاق على سبب واحد معين لارتفاع معدلات التضخم، ولكن على الأقل هناك نظريتان تحاولان تفسير حدوثه وهما كالتالي:
1- تضخم الطلب من الممكن تلخيص تلك النظرية في إطار " قدر كبير من الأموال تطارد قدر قليل من السلع". أو بمعنى أخر، في حالة ارتفاع معدلات الطلب بصورة كبيرة مقابل العرض فإن ذلك يعني ارتفاع مستويات الأسعار في الاقتصاد، وهو غالبا ما يحدث في الدول المتطورة. 2- تضخم التكاليف عندما ترتفع تكلفة إنتاج السلع والخدمات على الشركات في الاقتصاد، فإن ذلك يؤدي إلى قيام تلك الشركات برفع مستويات أسعار السلع من أجل تغطية ذلك الارتفاع في التكلفة والتي تؤثر بدورها على هامش الربح للشركات. ومن أمثلة مصادر ارتفاع التكلفة على تلك الشركات الرواتب أو الضرائب أو حتى تكلفة الواردات.
تكاليف التضخم مما لا شك فيه فإن الكل يعتبر التضخم شرا لابد من مواجهته، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا صحيحًا. فعلى الرغم من أن التضخم يؤثر على الكل ولكن بصور مختلفة، إلا أن تحديد إذا ما كان التضخم سلبيًا أم لا يعتمد على إذا ما كانت معدلات التضخم متوقعة أم غير متوقعة. فإذا كانت معدلات التضخم قريبة مما كان يتوقعه الأغلبية من الناس، فإن تعويض ذلك الارتفاع في مستويات الأسعار لن يكون عالي التكلفة. على سبيل المثال، في حالة تسجيل معدلات تضخم في إطار مستويات متوقعة فإن البنوك قد تغير أسعار الفوائد الخاصة بها، ومن الممكن أيضا أن يقوم الموظفين بخطوات مبكرة لمواجهة التضخم المتوقع العام القادم، وذلك عن طريق التفاوض مع أصحاب العمل بأن تتضمن عقود العمل بند ينص على رفع معدل الأجور بنسبة معينة كل فترة زمنية معينة.
ولكن في حالة ارتفاع التضخم بمعدلات غير متوقعة فإن السلبيات قد تكون كالتالي:
1- ارتفاع معدلات التضخم بصورة لم تكن متوقعة قد يؤدي إلى تحقيق خسارة للمقرضين وتحقيق أرباح للمقترضين، وذلك إن لم يتنبأ المُقرض بالتضخم بشكل صحيح. 2- عدم وضوح الرؤية الخاصة بالمستقبل قد يجعل الشركات والأفراد أقل رغبة في الإنفاق خوفا من المستقبل، الأمر الذي يؤثر سلبا على الاقتصاد على المدى الطويل. 3- من أكثر المتضررين من التقلبات غير المتوقعة لمعدلات التضخم أولئك اللذين يعتمدون على نسب دخل ثابتة مثل المعاشات، فأولئك يعانون من نقص القوة الشرائية للأموال التي يحصلون عليها دون قدرة منهم على تحسين دخلهم. 4- يجب على الاقتصاد امتصاص تأثير إعادة تسعير التكاليف. 5- في حالة ارتفاع معدلات التضخم في دولة ما بصورة أكبر بكثير من الدول المجاورة، فإن ذلك يؤدي إلى انخفاض القدرة التنافسية للمنتجات المحلية.
في الحقيقة يشتكي الناس دائما وأبدا من استمرار ارتفاع الأسعار، ولكنهم دائما يتجاهلون ارتفاع الرواتب بنفس النسب تقريبا.ولكن السؤال الحقيقي ليس لماذا ترتفع معدلات التضخم، بل السؤال يجب أن يكون هل سرعة ارتفاع معدلات التضخم أعلى أم أقل من نسبة الارتفاع في الرواتب.
وأخيرًا، يجب معرفة أن ارتفاع معدلات التضخم هو في الحقيقة إشارة على ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي. وفي بعض الحالات، يعتبر انخفاض معدلات التضخم أو (الانكماش) قد يكون إشارة سلبية أيضًا على الأداء الاقتصادي. وبهذا، من الواضح جدا غياب التعريف الحقيقي أو التأثير الحقيقي لمعدلات التضخم، هل هو أمر إيجابي أم سلبي؟ وما أسبابه الحقيقة؟ ولكن بشكل عام يعتمد تفسير معدلات التضخم على الوضع الاقتصادي العام للدولة.
كيفية قياس معدلات التضخم؟ في الحقيقة فإن قياس معدلات التضخم يعتبر مشكلة كبيرة بالنسبة للمؤسسات الحكومية التي تقوم بعمل إحصائيات حول الأداء الاقتصادي للدولة. وغالبا ما يتم قياس معدلات التضخم عن طريق متابعة حركة أسعار سلة من السلع والخدمات و مقارنتها من وقت لآخر. وتسمى هذه السلع بـ "سلة السوق". وينتج عن هذا ما يسمى بمؤشر السعر، والذي يمثل تكلفة سلة السوق اليوم كنسبة مئوية بالمقارنة مع تكلفة سلة السوق التي كانت عليها منذ عام.
وفي أمريكا الشمالية يتم استخدام مؤشرين للتعبير عن معدلات التضخم:
1- مؤشر أسعار المستهلك: وهو مؤشر يقيس معدل التغير في مستويات أسعار السلع والخدمات الخاصة بالمستهلكين مثل البنزين والغذاء والملابس وأيضا أسعار السيارات. ويتم إصدار مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق مكتب إحصائيات العمل
2- مؤشر أسعار المنتجين: وهو مؤشر يقيس متوسط التغير في مستويات أسعار بيع المنتجين للسلع والخدمات في السوق. وأيضا يتم صدور ذلك المؤشر في الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق مكتب إحصائيات العمل.
وتعتبر مؤشرات الأسعار هذه نتيجة لعمليات مسح واسعة النطاق. ففي كل شهر يتصل المكتب الأمريكي لإحصاءات العمل بآلاف من متاجر البيع بالتجزئة والمؤسسات الخدمية والوحدات الإيجارية ومكاتب الأطباء، للحصول عن معلومات خاصة بأسعار آلاف السلع والخدمات، وذلك بهدف تتبع التغيرات التي تطرأ عليها وتسجيل النتيجة النهائية على صورة مؤشر أسعار المستهلك (CPI). يسجل المكتب الأمريكي للإحصاءات من خلال هذه العملة أسعار 80.000 وحدة شهريًا، وهو ما يمثل أسعار عينة منتقاة من السلع والخدمات التي ينتفع بها المستهلكين.
وعلى المدى الطويل، غالبًا ما يعطي كلاً من مؤشري أسعار المستهلكين أو المنتجين نفس معدلات التضخم في الاقتصاد، ولكن على المدى القصير يرتفع معدل مؤشر أسعار المنتجين في الغالب قبل مؤشر أسعار المستهلك. وبشكل عام فإن الكثير من المتعاملين في سوق العملات يتابعون مؤشر أسعار المستهلكين أكثر من مؤشر أسعار المنتجين.








